غريغوريوس الملطي ( ابن العبري )

216

تاريخ مختصر الدول

الملوك أحسن من سيرته ولا أكثر تحرّيا للعدل منه وكان لا يأكل ولا يلبس ولا يتصرّف في الذي يخصّه إلا من ملك كان له قد اشتراه من سهمه من الغنيمة . ولقد شكت إليه زوجته من الضائقة فأعطاها ثلاثة دكاكين في حمص كانت له يحصل منها في السنة نحو العشرين دينارا . فلما استقلَّتها قال : ليس لي إلا هذا وجميع ما بيدي انا فيه خازن للمسلمين لا أخونهم فيه ولا أخوض نار جهنّم لأجلك . ولما مات ملك بعده ابنه الملك الصالح إسماعيل وكان عمره إحدى عشرة سنة وأطاعه الناس بالشام وصلاح الدين بمصر وخطب له بها وضرب السكة باسمه . وفي سنة سبعين وخمسمائة لما ملك سيف الدين غازي الديار الجزرية خاف الأمراء الذين في دمشق وحلب لئلا يعبر إليهم سيف الدين فسيّروا الملك الصالح ومعه العساكر إلى حلب ليصدّ سيف الدين عن العبور إلى الشام . فلما خلت دمشق عن السلطان والعساكر سار إليها صلاح الدين فملكها وملك بعدها حمص وحماة وبعلبكّ وسار إلى حلب فحصرها . فركب الملك الصالح وهو صبيّ عمره اثنتا عشرة سنة وجمع أهل حلب وقال لهم : قد عرفتم احسان أبي إليكم ومحبّته لكم وسيرته فيكم وانا يتيمكم وقد جاء هذا الظالم الجاحد احسان والدي إليه يأخذ بلدي ولا يراقب الله ولا الخلق . وقال من هذا كثيرا وبكى فأبكى الناس واتفقوا على القتال دونه فكانوا يخرجون ويقاتلون صلاح الدين عند جبل جوشن [ 1 ] ولا يقدر على القرب من البلد فرحل عنه . وفيها ملك البهلوان مدينة تبريز . وفي سنة إحدى وسبعين ملك صلاح الدين قلعة عزاز ونازل حلب وبها الملك الصالح وقد قام العامّة في حفظ البلد المقام المرضيّ وتردّدت الرسل بينهم في الصلح فوقعت الإجابة إليه من الجانبين ورحل صلاح الدين عن حلب بعد ان أعاد قلعة عزاز إلى الملك الصالح فإنه اخرج إلى صلاح الدين أختا له صغيرة طفلة . فأكرمها صلاح الدين وقال لها : ما تريدين . قالت : أريد قلعة عزاز . وكانوا قد علَّموها ذلك . فسلَّمها إليهم ورحل . وفي سنة ثلث وسبعين قتل عضد الدين وزير الخليفة المستضيء ووزر ظهير الدين المعروف بابن العطَّار وكان خيرا حسن السيرة كثير العطاء وتمكن تمكنا كثيرا . وفي سنة خمس وسبعين وخمسمائة ثاني ذي القعدة توفّي الإمام المستضيء بأمر الله وكانت خلافته نحو تسع سنين وعمره تسع وثلاثون سنة وكان عادلا حسن السيرة في الرعية قليل المعاقبة على الذنوب محبا للعفو فعاش حميدا ومات سعيدا .

--> [ 1 ] - جوشن بالجيم المعجمة جبل مطل على حلب في غربيها ومنه كان يحمل النحاس الأحمر وهو معدنه .